محمد غازي عرابي
809
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
بالإضافة إلى مركز البصر في القشرة الدماغية مراكز ثانوية مرتبطة بالمركز الرئيسي ، فالمنظر الخارجي له مثلا خلايا عصبية خاصة لمعرفة إضاءته وخلايا لمعرفة عمقه وخلايا تميز لونه ، ولقد اكتشف مكان بعض هذه الخلايا بينما ما زال أكثرها مجهولا . . ثم أعلنت العلماء أن مجرد تمييز صورة ثور من حمار يحتاج إلى سلسلة من العمليات المعقدة ينفذها الدماغ بزمن قياسي في القصر ، وأن الحاسوب بحاجة إلى دراسة طويلة جدا حتى يستطيع بلوغ مستوى إبصار العين وإدراك الصور . وثمت رابطة بين المعقولات الواردة عن طريق البصر والمعلومات المدركة التي سبق للإنسان أن صنفها ووعاها ، فلقد أبصر مثلا أعمى ظل فاقد بصره عشرين عاما ، فإذا به يعاني مشكلة لا حل لها ، فهذا الأعمى كانت لديه معلومات تكونت عن طريق حاستي السمع واللمس ، فلما أبصر ذعر مما رآه من الصور ولم يستطع عقله أن يدرك ما يرى ، أي أن عقله الذي كان يستجيب لمؤثرات حاستي اللمس والسمع عنده لم يستطع أن يستجيب لما قدمته إليه حاسة البصر ، ولقد حاول الرجل جاهدا احتواء المعلومات الصورية الواردة إلى عقله ، ولكن عقله تعب حتى أن الرجل أعلن أن العملية لا طائل تحتها . . كما سئل الرجل عن حاله لما رأى وجهه في المرآة فقال لقد أصابتني دهشة عظيمة ، ثم خفت ، وبلغ من خوفي أني لم أعد أريد أن أرى وجهي في المرآة ثانية . فالتأثير وردود الفعل العصبية والمدركات العقلية عملية عظيمة يعيشها الإنسان بصورة طبيعية جاهلا في الوقت نفسه مدى عظمتها وأسرار هذه التقنية الرائعة . وفي عالم السمع تحدثنا عن عالم الوطاويط ، وكيف أن الوطاويط الأم تميز صغارها من أصواتها ، وقلنا إن هذا يعني أن لكل وطواط صغير صوتا موسيقيا يميزه من سواه ، وهذا الصوت نقلته أذن أمه إلى مركز السمع في الدماغ على شكل إشارات كهربائية عبر عصب السمع ، وسجل في تلك الخلايا كما تسجل الألحان على أشرطة الموسيقى . . أي أنه في عالم السمع يجري تماما ما يجري في عالم البصر ، وأن ثمة معلومات مقدمة من الخارج تطبع في الذاكرة السمعية وتحفظ وتسهم عند الحاجة إلى عملية التمييز الصوتي والإدراك . وقلنا في كتابنا الإنسان الكبير إنه لم يعرف حتى الآن كيف تنقل المعلومات عبر الأعصاب على شكل نبضات كهربائية ، ولا كيف تطبع هذه المعلومات في الخلايا العصبية ذات العلاقة ، ولا كيف تنبه هذه الخلايا فتقدم ما لديها من معلومات إلى الإنسان والحيوان للاستفادة منها عند الضرورة .